السيد كمال الحيدري

77

الإنسان بين الجبر والتفويض

وإمّا أن لا يكون مؤثِّراً ، وعندئذ لا يغني التذرّع بهذه النظرية شيئاً في زحزحة نزعة الجبر المحض « 1 » . بذلك ، فإنّ هذه النظرية « لا تسمن ولا تُغني من جوع ، ولا تُخرج القائل من القول بالجبر قدر شعرة ، وإنّما هي غطاء وتلبيس على القول بالجبر » « 2 » . يبدو أنّ هذا الواقع النظري الملتبس ومصادمة الجبر لبداهة الوجدان ومجافاته لثوابت المنظومة الدينيّة هو الذي قاد عدداً من المنتمين لهذا التيّار إلى الخروج على قناعات هذه المدرسة والتنصّل لموقفها الجبري ، كما حصل مع إمام الحرمين الجويني ( ت : 478 ه - ) الذي صرّح بتأثير قدرة العباد في أفعالهم ، وتابعه على ذلك الشيخ الشعراني ( ت : 973 ه - ) ، قبل أن يشهد الاتّجاه الأشعري ما يشبه الانقلاب النظري على الجبر في الواقع المعاصر . بل ثَمَّ مفارقة عجيبة تبرز في أعمال الفخر الرازي ، ومع أنّ الرازي يأتي في طليعة من شمَّر عن منكبيه في الدفاع عن الجبر ، وبذل جهوداً كبيرة في صياغة أدلّة عقلية للموقف الجبري ، جاءت إلى جوار ما حشده من أدلّة نقلية ، إلّا أنّ هناك أكثر من دارس يشير صراحة إلى أنّ الرازي تنصّل في بعض آثاره للجبر واقترب من مقولة « الأمر بين الأمرين » كما صرّح بذلك صدر الدين الشيرازي بعد أن نقل نصّاً مطوّلًا من

--> ( 1 ) الإلهيّات ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 608 . ( 2 ) ينظر في مناقشة الكسب : هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة ، مصدر سابق : ص 620 فما بعد . كذلك الإلهيّات ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 620 فما بعد .